يرى الباحث في هورن ريفيو، بيزاويت إشيتي، أن استمرار غياب مصر عن اتفاق مكة للدفاع المشترك يعكس رفضًا محسوبًا من جانب القاهرة لحسم غموض استراتيجي حافظت عليه طويلًا.
ويتمحور هذا الغموض حول الفارق بين دولة تشارك في صياغة قواعد الأمن الإقليمي، ودولة تكتفي بالاستفادة منها. فالدولة التي تساهم في تصميم هذه القواعد تقدم قدرات تحتاج إليها الأطراف الأخرى، وتحصل في المقابل على نفوذ في تحديد آليات تفعيل بند الدفاع الجماعي واستخدامه. أما الدولة التي تكتفي بتلقي الحماية التي توفرها المنظومة، فتتنازل عن جزء من استقلالية قرارها مقابل ضمانات لم تشارك في صياغتها.
ويستند التحليل إلى قراءة استراتيجية لموقف القاهرة من اتفاق مكة، معتبرًا أن مصر لا تمتلك في الوقت الراهن المقومات المادية التي تؤهلها للانضمام بصفتها دولة مؤسسة وقائدة للمنظومة، بينما ترفض في الوقت نفسه أن تنضم بوصفها طرفًا ثانويًا يستهلك ضمانات الأمن دون أن يشارك في صنع القرار. ويربط التحليل موقف مصر بعلاقاتها المتشابكة مع السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل والهند، إلى جانب حساباتها في القرن الأفريقي وصراعها مع إثيوبيا حول النفوذ والأمن المائي.
مصر بين دور صانع الأمن ودور المستفيد منه
تشغل الصومال بالفعل الموقع الثاني، إذ ترتبط باتفاقات أمنية ثنائية مع الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق، لكنها بقيت خارج بند الدفاع الجماعي، لتصبح مستفيدًا من الأمن دون أن تشارك في اتخاذ القرارات المتعلقة به. أما القدرات المصرية، فرغم ثقل الجيش التقليدي والسيطرة على قناة السويس وعقود من الرصيد الدبلوماسي، فإنها لا ترقى، وفق شروط الاتفاق الحالية، إلى مستوى الردع النووي الباكستاني، أو صناعة الدفاع التركية ذات القدرة على العمل خارج الحدود، أو القوة المالية السعودية.
ويجعل التصور المصري لنفسه باعتباره القوة الأمنية العربية الأبرز، قبول هذا الدور الثاني، الذي تشغله الصومال، أمرًا يصعب على القاهرة إقراره رسميًا، رغم أنها تقترب منه عمليًا في بعض جوانبه. ولذلك يحافظ بقاؤها خارج الاتفاق على مساحة من الغموض بشأن الفئة التي تنتمي إليها مصر. أما توقيع الاتفاق، فسوف يحسم هذا الغموض في الاتجاه الذي تحاول القاهرة تجنبه منذ عام.
وتزيد الاعتراضات السعودية المحددة من وضوح هذه الصورة. فقد عرضت مصادر سعودية تحدثت إلى ميدل إيست آي إحباط الرياض باعتباره اختبارًا لمبدأ المعاملة بالمثل، ترى السعودية أن مصر أخفقت فيه مرارًا خلال السنوات الأخيرة. وقدمت الرياض نحو 25 مليار دولار في صورة دعم للموازنة المصرية بعد وصول رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013، وهي نفقات ترى المملكة الآن أنها اشترت قدرًا من الولاء أقل مما اشترته إنفاقات مماثلة في حالات أخرى.
وتنظر الرياض إلى مساهمة مصر في الحرب في اليمن باعتبارها محدودة، بينما جاءت أحدث المؤشرات اللافتة في مايو 2026، عندما نشرت القاهرة مقاتلات رافال في أبوظبي ردًا مباشرًا على الضربات الإيرانية التي استهدفت الإمارات، من دون أن تقدم خطوة مماثلة للسعودية خلال الحرب نفسها.
وقال مستشار سعودي سابق رفيع المستوى مقرب من الأسرة الحاكمة لـميدل إيست آي إن القيادة السعودية تشكك صراحة في ولاء السيسي، في مقارنة مباشرة مع الثقة التي تبديها تجاه تركيا وباكستان. وتختبر الرياض سلوك شركائها في أوقات الأزمات، وما رصدته حتى الآن يشير إلى أن مصر تميل عمليًا إلى أبوظبي أكثر من المملكة التي مولت القاهرة لأكثر من عقد.
ويواجه اتفاق ثلاثي يقوم على بند فعلي للدفاع الجماعي صعوبة في استيعاب عضو رابع كشفت تحركاته خلال الأزمات بالفعل عن اتجاه ولاءاته العملية.
حسابات السعودية والإمارات وتركيا تعقّد قرار القاهرة
إلى جانب العلاقة السعودية، ترتبط مصر بعلاقة أكثر عمقًا مع الإمارات، ولا يقتصر الفارق بين شكلَي الاعتماد على المشاعر السياسية. فقد أبرمت القاهرة وأبوظبي في فبراير 2024 اتفاق رأس الحكمة البالغ 35 مليار دولار، وضخ الاتفاق 24 مليار دولار في صورة استثمارات مباشرة، وحوّل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية القائمة لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات في المشروع، ما منح الدولة المصرية حصة أقلية تبلغ 35% في مشروعها الساحلي الرئيسي، وأدخل رأس المال الإماراتي في صميم القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المصري.
أما الدعم السعودي منذ عام 2013، فجاء في معظمه عبر دعم الموازنة وودائع لدى البنك المركزي، وهي أدوات نفوذ تظل خارج الأصول السيادية المصرية ويمكن إعادة التفاوض بشأنها أو سحبها وفق شروط مستقلة. ومن ثم، فإن الاختيار المصري بين الراعيين الخليجيين لا يتعلق بعلاقة متوازنة بين طرفين متشابهين، وإنما بالمفاضلة بين راعٍ يمكن التفاوض على مطالبه أو التراجع عنها، وآخر أصبحت مطالبه مرتبطة بصورة مباشرة بأصول ومصالح اقتصادية أساسية داخل مصر.
وتحافظ القاهرة كذلك على معاهدة دفاع مع الإمارات، ولذلك يتيح لها رفض اتفاق مكة الحفاظ على العلاقتين في الوقت نفسه. أما الانضمام إلى إطار تقوده السعودية ويستبعد أبوظبي، في ظل التباعد الظاهر حاليًا بين الرياض وأبوظبي، فسوف يجبر القاهرة على تحديد ترتيب واضح لولاءاتها، بعدما نجحت حتى الآن في إبقائها ضمن مساحة مريحة من الغموض.
وأرجع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الذي ظهر إلى جانب نظيره التركي هاكان فيدان، تأجيل القرار بشأن الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك إلى متطلبات دستورية. وتنص المادة 152 من الدستور المصري لعام 2014 على عدم جواز إعلان الرئيس الحرب أو إرسال القوات إلى القتال خارج البلاد من دون التشاور مسبقًا مع مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.
ومن شأن بند ملزم للدفاع المتبادل، على غرار البند الذي اعتمدته السعودية وتركيا وباكستان، أن يضع هذا الإجراء تحت تأثير آلية خارجية دائمة قد تستدعي التدخل. ويشير إصرار القاهرة على المراجعة القانونية والدستورية إلى أن أي حكومة مصرية لن تتخلى بسهولة عن السيطرة على القرار النهائي بشأن إرسال القوات إلى الخارج.
وتزداد حساسية القرار في ظل الوضع الاقتصادي الداخلي. فعقب الانقلاب على محمد مرسي، طلب عبد الفتاح السيسي من المصريين منحه عامين من الصبر، ثم وعد لاحقًا بأن العامين التاليين سيتركانهم مندهشين من التحول الذي ستشهده البلاد. وتعهد بتحقيق التعافي الاقتصادي من خلال المشروعات العملاقة وتوسيع فرص العمل وزيادة دخول الفئات الفقيرة.
لكن هذه الوعود اصطدمت بتضخم مستمر، واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، واستطلاعات يرى فيها نحو ثلاثة أرباع المصريين أن الاقتصاد سيئ أو سيئ جدًا، ويضعونه في مقدمة المشكلات الأكثر إلحاحًا في البلاد. ورغم تراجع معدل البطالة الرسمي، فإن انكماش القطاع الخاص وارتفاع أعباء خدمة الدين وتزايد تقديرات الفقر تكشف فجوة واضحة بين الوعود الأولى والواقع المعيشي اليومي.
وكرر وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن القضية تحتاج إلى دراسة قانونية ودستورية دقيقة، سواء في القاهرة أو في العلمين يوم 13 أغسطس، أو خلال اتصالاته مع نظيريه السعودي والباكستاني، من دون تحديد جدول زمني أو إعلان نتيجة نهائية. ويبدو استمرار هذه اللغة أقرب إلى تأجيل مفتوح ومتعمد منه إلى تأخير إداري مؤقت.
ويهدد استمرار عدم تحقيق تحسن ملموس في حياة الأسر بتراكم الغضب الاقتصادي نفسه الذي ساهم في إنهاء حكم حسني مبارك، عندما تلاقت أعباء المعيشة وتصورات الإثراء النخبوي مع الضغوط الشعبية، إلى أن سحب الجيش دعمه للنظام.
ولا يزال نظام السيسي يحظى ببعض الرصيد نتيجة إعادة الاستقرار بعد أحداث 2011-2013، لكن الاستياء الشعبي من خلق الوظائف والسيطرة على الأسعار وعدم المساواة لا يزال حادًا، فيما ارتفعت رغبة الشباب في الهجرة. ومن شأن ربط مصر بالتزامات دفاعية خارجية ملزمة في وقت لم تتحقق فيه التوقعات الاقتصادية الداخلية أن يقلص مساحة الصبر التي جرى بناؤها منذ عام 2013.
وبالتالي، توفر المراجعة الدستورية للقاهرة وقتًا إضافيًا في مواجهة الشركاء الخارجيين، وفي مواجهة جمهور داخلي لا تزال آماله الاقتصادية بعيدة عن التحقق.
إسرائيل والهند والقرن الأفريقي.. لماذا يصعب على مصر اختيار محور واحد؟
تضيف علاقة مصر بإسرائيل طبقة أكثر تعقيدًا إلى الحسابات الكامنة خلف اللغة الدستورية. فقد كانت مصر أول دولة عربية تقيم السلام مع إسرائيل، ولا تزال الملاحق الأمنية لمعاهدة 1979، التي تحدد مستويات انتشار القوات المصرية في سيناء ومناطقها بصورة أكثر تفصيلًا من أي اتفاق عربي إسرائيلي مماثل، تحكم طبيعة الانتشار العسكري هناك، إلى جانب التعاون الاستخباراتي وتدفق المساعدات العسكرية الأمريكية التي يصعب على القاهرة استبدالها بسهولة.
ومن شأن انضمام مصر إلى بند دفاع متبادل يربطها بأنقرة والرياض وإسلام آباد أن يُقرأ في واشنطن والقدس باعتباره تحولًا جوهريًا عن الإطار الذي أسس السياسة الأمنية المصرية لما يقرب من نصف قرن، على نحو لم تفعله معاهدة الدفاع المصرية الإماراتية، التي تنسجم في جوهرها مع الإطار الأمني ذاته.
وفي الوقت نفسه، تعمق مصر علاقاتها التجارية مع الهند، بينما تتعارض مصالح اثنين من أعضاء اتفاق مكة، تركيا بسبب نزاعاتها البحرية في شرق المتوسط، وباكستان بسبب خصومتها التاريخية، مع مصالح نيودلهي. لذلك لا تريد القاهرة أن تبدو وكأنها اختارت بين محور تقوده تركيا والسعودية وباكستان، وآخر يتمحور بصورة غير رسمية حول إسرائيل والإمارات والهند.
وسيؤدي الانضمام الرسمي إلى الاتفاق إلى إنهاء هذه الحيادية المحسوبة وتحويلها إلى خيار واضح يمكن لجميع الأطراف قراءته.
وتحتل تركيا، وهي الطرف الثالث الموقع على الاتفاق، موقعًا مختلفًا في الحسابات المصرية عن السعودية، وتساعد كثافة العلاقات الثنائية بين البلدين في تفسير عدم استعجال القاهرة إضفاء طابع رسمي إضافي على هذه العلاقة.
وبدأت شركة هافيلسان التركية والمنظمة العربية للتصنيع المصرية المملوكة للدولة إنتاج مركبات برية مسيرة بصورة مشتركة في مصنع قادر في مارس 2025، قبل أن تضيفا إنتاج طائرات مسيرة قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي في أغسطس من العام نفسه.
ووقع عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان اتفاق إطار عسكري في القاهرة في فبراير 2026، ضمن حزمة اتفاقات قدرت قيمتها بنحو 350 مليون دولار، كما أجرت القوات المسلحة في البلدين منذ ذلك الحين تدريبات جوية وبحرية وتدريبات للقوات الخاصة بوتيرة لم تشهدها العلاقات بينهما منذ أكثر من عقد من القطيعة.
وطرحت وسائل إعلام تركية كذلك فكرة إبرام اتفاق لترسيم الحدود البحرية يمكن أن يضيف نحو 21,500 كيلومتر مربع إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر.
وتظل جميع هذه الترتيبات ثنائية، ومحسوبة، وقابلة لإعادة النظر فيها بقرار مصري منفرد، بخلاف بند دفاع جماعي متعدد الأطراف يربط قرارات القاهرة بالخيارات التي تتخذها ثلاث عواصم أخرى في الوقت نفسه.
وتحتاج تركيا إلى الساحل المصري على البحر المتوسط، والحدود البرية المصرية مع ليبيا، والسيطرة المصرية على معبر رفح، أكثر مما تحتاج مصر إلى مقعد رسمي في اتفاق تحصل من خلاله أصلًا على جزء كبير من فائدته الأساسية، أي الردع، بصورة غير مباشرة عبر آليات إقليمية قائمة.
وتمنح هذه المعادلة أنقرة نفوذًا محدودًا على قرار مصري لم تحسم القاهرة أصلًا أنها تريد اتخاذه.
وكما أشار المحلل الإقليمي رشيد عبدي، لا تزال الرواسب التاريخية بين القاهرة وأنقرة ترفع سقف الأدلة التي تحتاج إليها مصر قبل أن تربط نفسها عسكريًا بتركيا، حتى مع تقدم العلاقات الثنائية في المجالات العملية.
وظلت الكتابات القومية المصرية تنظر إلى الحكم العثماني باعتباره انقطاعًا في مسار حضاري عربي مصري أقدم، كما ظهر مصطلح «العثمانية الجديدة»، الذي يستخدم اليوم في أنحاء المنطقة لوصف السياسة الخارجية لأردوغان، في الكتابات المصرية قبل عقود من انتشاره على نطاق أوسع في الخطاب الغربي والتركي.
وخلفت قطيعة عام 2013، عندما واصلت أنقرة استضافة شخصيات من جماعة الإخوان المسلمين تعتبرها القاهرة معادية لحكومتها، جرحًا لم تغلقه بالكامل مصانع الطائرات المسيرة المشتركة ولا عودة المجالس الاستراتيجية بين البلدين.
ويعمل هذا الإرث حاليًا كعامل خلفي يحدد حجم الأدلة التي تحتاج إليها القاهرة قبل أن تربط نفسها عسكريًا بأنقرة، ولم توفر أوجه التعاون الصناعي، رغم أهميتها، هذا النوع المحدد من الثقة بعد.
ولا تنفصل ترددات مصر تجاه اتفاق مكة عن جهد آخر أكثر نشاطًا تبذله القاهرة لبناء شبكة نفوذ خاصة بها في منطقة القرن الأفريقي. ويكشف التباين بين المسارين الكثير عن الحسابات المصرية.
ووصف رشيد عبدي جوهر المنافسة قبل سنوات بأنه صراع حول الدولة التي ستصبح القوة الرئيسية في المنطقة، مصر أم إثيوبيا. وأصبح هذا الوصف أكثر دقة منذ أن أكملت إثيوبيا بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير.
واحتجت مصر على السد أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن ذلك لم يغير شيئًا على الأرض. وبدأت القاهرة الآن العمل على بناء شبكة من علاقات الاعتماد في السودان وإريتريا والصومال يمكن استخدامها للضغط على إثيوبيا في ملف النيل.
ويشبه هذا النمط الطريقة التي بنت بها إيران جماعات بالوكالة لتقييد حركة إسرائيل. ويتمثل الهدف المصري في الحفاظ على قدر كافٍ من النفوذ على إثيوبيا، مع منع أي قوة أخرى من إقصاء القاهرة عن ترتيبات الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وأظهر التفاهم الدفاعي السعودي الباكستاني بالفعل حجم الخطر الناشئ. فقد بدأ الاتفاق في أحد مساراته حول السودان، الدولة التي طالما اعتبرت مصر نفسها الشريك العربي الرئيسي في الحد من المشروعات الإثيوبية.
ومع إضفاء الرياض وإسلام آباد الطابع الرسمي على علاقاتهما، وبدئهما طرح نماذج مشابهة للتعاون مع إريتريا، واجهت مصر احتمال التحول إلى لاعب ثانوي في منطقة تعتبرها حيوية لأمنها وبقائها.
وعمل مسؤولون مصريون وسعوديون منذ بداية عام 2026 على دفع إريتريا نحو تعاون أمني أوثق، اعتمادًا على النموذج نفسه الذي تموله السعودية مع باكستان والسودان.
وناقش الرئيس الإريتري أسياس أفورقي تعميق العلاقات خلال زيارته السعودية في ديسمبر 2025، قبل أن يلتقي الرئيس السيسي في القاهرة في يونيو التالي.
وفي الوقت نفسه، تحافظ مصر على شراكة أمنية منفصلة مع الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات. وترسم هذه الخطوات مجتمعة شبكة تهدف إلى تطويق إثيوبيا.
لكن دخول الأموال السعودية والثقل العسكري الباكستاني في أجزاء من هذه الشبكة يضع القاهرة في موقف أضعف داخل منظومة كانت تتوقع في السابق أن تقودها.
وتكمن المشكلة في طبيعة الحسابات نفسها. فمصر دولة تحاول إدارة ثلاثة شركاء غير مستقرين، تتداخل سياساتهم الداخلية ورعاتهم الخارجيون بصورة تجعل السيطرة الدائمة عليهم أمرًا بالغ الصعوبة.
وتحتاج إدارة الصومال والسودان وإريتريا باعتبارها أطرافًا يمكن الاعتماد عليها إلى أموال واهتمام وضغوط سياسية، وهي متطلبات تجعلها القيود الاقتصادية المصرية أكثر صعوبة.
كما قلصت القاعدة العسكرية التركية الكبيرة في مقديشو بالفعل النفوذ المصري في الصومال.
وتكشف هذه التطورات عن تناقض واضح: تطلب مصر من الرياض مساعدتها في الاضطلاع بدور القوة الرئيسية في جزء من القرن الأفريقي، لكنها ترفض في الوقت نفسه قبول موقع ثانوي تحت قيادة الرياض داخل الإطار الدفاعي الأوسع.
ولا يمكن لهذا الموقف أن يستمر إلا إذا واصلت مصر النظر إلى نفسها باعتبارها الدولة التي تصمم الترتيبات الأمنية، وليس الدولة التي تنضم إلى ترتيبات صممتها قوى أخرى.
وحين يصبح الموقع الثانوي أمرًا طبيعيًا، فإن الشبكة التي تبنيها القاهرة لمواجهة إثيوبيا قد تتحول إلى مجموعة من العلاقات تديرها قوة أخرى، فتجد مصر نفسها أمام نفوذ أقل في المنطقة التي يلتقي فيها أمن النيل بأمن البحر الأحمر.
ولا تشير هذه المعطيات إلى موقف مصري ثابت، إذ لا تزال الحسابات التي تقوم عليها السياسة المصرية تتحرك باستمرار، بدءًا من احتياجات السيولة الخليجية، مرورًا بالتزامات المعاهدة مع إسرائيل، والتعاون الصناعي مع تركيا، وصولًا إلى المنافسة مع إثيوبيا في القرن الأفريقي.
لكنها تشير إلى توازن أكثر رسوخًا بكثير مما توحي به لغة «المراجعة الفنية» الجارية.
ويقترب غياب مصر عن اتفاق مكة من كونه النتيجة الأكثر فائدة المتاحة للقاهرة في ضوء أدواتها الحالية، لأنه يحافظ على قدرتها على الوصول في الوقت نفسه إلى العلاقات السعودية والإماراتية والتركية والإسرائيلية والهندية، من دون إجبارها على وضع هذه العلاقات في ترتيب صريح للولاءات.
https://hornreview.org/2026/08/17/egypt-skipped-the-mecca-pact-because-it-lacks-the-leverage-to-join/

